ابن كثير

258

البداية والنهاية

وأسر مقدمهم علي بن محمد بن عيسى بن نهيك ، وبعث به إلى المأمون . وهرب جماعة من جند طاهر فساروا إلى الأمين فأعطاهم أموالا كثيرة ، وأكرمهم وغلف لحاهم بالغالية فسموا جيش الغالية . ثم ندبهم الأمين وأرسل معهم جيشا كثيفا لقتال طاهر فهزمهم طاهر وفرق شملهم ، وأخذ ما كان معهم . واقترب طاهر من بغداد فحاصرها وبعث القصاد والجواسيس يلقون الفتنة بين الجند حتى تفرقوا شيعا ، ثم وقع بين الجيش وتشعبت الأصاغر على الأكابر واختلفوا على الأمين في سادس ذي الحجة فقال بعض البغاددة : قل لأمين الله في نفسه * ما شتت الجند سوى الغالية وطاهر نفسي فدا طاهر ( 1 ) * برسله والعدة الكافية أضحى زمام الملك في كفه * مقاتلا للفئة الباغية يا ناكثا أسلمه نكثه * عيوبه في ( 2 ) خبثه فاشيه قد جاءك اليث بشداته * مستكلبا في أسد ضاريه فاهرب ولا مهرب من مثله * إلا إلى النار أو الهاوية فتفرق على الأمين شمله ، وحار في أمره ، وجاء طاهر بن الحسين بجيوشه فنزل على باب الأنبار يوم الثلاثاء لثنتي عشرة ليلة خلت من ذي الحجة ، واشتد الحال على أهل البلد وأخاف الدعار والشطار أهل الصلاح ، وخربت الديار ، وثارت الفتنة بين الناس ، حتى قاتل الأخ أخاه للأهواء المختلفة ، والابن أباه ، وجرت شرور عظيمة ، واختلفت الأهواء وكثر الفساد والقتل داخل البلد . وحج بالناس فيها العباس بن موسى بن عيسى الهاشمي من قبل طاهر ، ودعا للمأمون بالخلافة بمكة والمدينة ، وهو أول موسم دعي فيه للمأمون . وفيها توفي بقية بن الوليد الحمصي إمام أهل حمص وفقيهها ومحدثها . وحفص بن غياث القاضي عاش فوق التسعين ، ولما احتضر بكى بعض أصحابه فقال له : لا تبك ! والله ما حللت سراويلي على حرام قط ، ولا جلس بين يدي خصمان فباليت على من وقع الحكم عليه منهما ، قريبا كان أو بعيدا ، ملكا أو سوقة . وعبد الله بن مرزوق أبو محمد الزاهد ، كان وزيرا للرشيد فترك ذلك كله وتزهد وأوصى عند موته أن يطرح قبل موته على مزبلة لعل الله أن يرحمه .

--> ( 1 ) في الطبري 10 / 172 : نفسي تقي طاهرا . ( 2 ) في الطبري : من . وفي مروج الذهب 3 / 488 : من حينه .